المحكمة بين دورَيْن سوري وإيراني
خبر مقلق نشرته صحيفة "لوموند" في عددها الذي وزع بعد ظهر أمس السبت، وجاء فيه نسبة الى الشرطة الهولندية، أن عددا من الاشخاص جرى التعرف اليهم باعتبارهم ناشطين في "حزب الله" كانوا يصورون في اماكن محيطة بمقر المحكمة في "لايدسندام" – لاهاي. وما يزيد القلق ايضا المعلومات التي جاءت في الصحيفة نفسها من ان رئيس لجنة التحقيق الدولية التي تنتهي ولايته ظهر اليوم بتحوله مدعياً عاماً في المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار، طلب استجواب ثمانية مسؤولين في "حزب الله"، و قد رفض طلبه. وكأن ثمة جهة في لبنان تصنف نفسها فوق الشعب اللبناني، وفوق القانون اللبناني، وفوق المحكمة الدولية، وفوق البشر ايضا!
وانا واقف هنا امام مقر المحكمة الدولية في لاهاي، اتأمل في خبر صحيفة "لوموند"، حضرتني معلومات ادلى بها امامي قبل ثلاثة اسابيع رجل اعمال سوري كبير مقيم في الخارج بعدما صفّى معظم اعماله في الداخل بسبب التضييق الذي يتعرض له رجال الاعمال في سوريا متى رفضوا الدخول في معادلة مافوية يدخل بموجبها رجال النظام ولا سيما العائلة شركاء في كل الاعمال والمصالح الخاصة على الارض السورية.
خلاصة ما قال لي رجل الاعمال السوري انه لا يشك لحظة واحدة في "مسوؤلية النظام في سوريا في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان القرار متخذا قبل وقت طويل، اي في نهاية 2003، عندما اعتبر السوريون ان الحريري صار اكبر من ان يزاح بالسياسة الداخلية اللبنانية، فوجبت ازاحته من طريق الشطب الجسدي مرة واحدة".
و بحسب رواية رجل الاعمال المشار اليه، ان القرار لم يكن سورياً فحسب، بل كان ايرانيا بامتياز، إذ ان السوريين والايرانيين التقوا على اعتبار تهديد الحريري استراتيجياً لا تكتيكياً يتطلب عملا استراتيجيا ينفذه طرف ويغطيه الطرف الآخر الى النهاية. والمجموعة التي اتخذت القرار سوريا يقف في مقدمها الرئيس بشار الاسد شخصيا، اما الرجل الذي كلف إدارة العملية وملاحقة تنفيذها فكان العميد محمد سليمان الذي اغتيل في ما بعد في اللاذقية في حادثة غامضة.
ويضيف ان محمد سليمان كان لسنوات عدة الحاكم الفعلي لسوريا. وكان اكثر نفوذا من رئيس شعبة المخابرات العسكرية وصهر الرئيس آصف شوكت، ومن جميع الضباط الآخرين، قدامى أو جدداً. حتى شقيق الرئيس العقيد ماهر الاسد يصنف "هاويا" في معادلة السلطة الحقيقية التي ارتكزت على اركان عدة، أولها العلاقة مع ايران على جميع المستويات، وثانيها العلاقة مع روسيا على مستوى التسليح غير التقليدي. وأهمية محمد سليمان أنه حاول طوال الوقت النأي عن الاضواء، مع انه كان على صلة وثيقة بالمعادلة المالية اللبنانية (عبر عنجر)، وقد أدى الدور الاساسي في اغتيال رفيق الحريري. أما الآخرون فقد كان دورهم أقل أهمية نظرا الى تفوق محمد سليمان عليهم نفوذا. ومن أسباب اغتيال سليمان في اللاذقية ارتباطه باغتيال الحريري، دوره الاساسي في البرنامج النووي السوري الناشىء، وعلاقاته المباشرة مع الايرانيين، والاهم تعاظم نفوذه وشعور عائلة الاسد، ولا سيما الرئيس بالخوف منه مستقبلا.
وبحسب رجل الاعمال المشار اليه، فقد اغتالت محمد سليمان مجموعة من فرقة القناصة الخاصة التابعين لشقيق الرئيس ماهر. أما العائلة فقد مورست في حقها عملية تضييق مماثلة للتي مورست في حق عائلة اللواء غازي كنعان، الذي قيل من باب التهكم على الرواية الرسمية انه انتحر في مكتبه بـ"أربع رصاصات"!
في جانب آخر، لفتني ما قاله لي رجل الاعمال السوري عن الدور الايراني في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما استوقفني قوله "ان ذلك الدور هو احد العوامل التي ادت الى اغتيال القيادي الامني والعسكري في "حزب الله" عماد مغنية في قلب مجمع المقار الاستخباراتية في دمشق"! ويصر على صحة كلامه رافضا ان يوضح لي كيف ربط بين اغتيال الحريري و اغتيال مغنية بعدها بثلاثة اعوام، ورافضا ايضا الخوض في مزيد من التفاصيل، مكتفيا بالقول "ان لجنة التحقيق الدولية تعرف اكثر مما توحي. وان الحكم السوري يعرف ان مسؤوليته ليست سرا، انما الدور الايراني وحدهما سوريا و"حزب الله" لديهما صورة كاملة عن حجمه وحدوده و الاسماء ".
وسؤالنا: هل من دور ايراني في لبنان بمعزل عن الذراع الايرانية فيه؟
أيا يكن من أمر، فاليوم تنطلق المحكمة التي لطالما حاربها السوريون وحلفاؤهم في لبنان ومن بينهم "حزب الله" الذي حاول ان يسبغ على توقيف الضباط الاربعة صبغة سياسية، معتبرا اياهم معتقلين سياسيين، و قد برأهم السيد حسن نصرالله في اكثر من مناسبة خطابية، فيما كان حزبه يخوض معركة انقلابية كاملة الاوصاف، والمحكمة صارت حقيقة قائمة.
المحكمة قد يطول الوقت حتى تقول العدالة عبرها كلمتها، ولكن طريقها المفروشة بشهداء الاستقلال صارت معبّدة، فليتهيأ المذنبون.
علي حماده




