عنوان جديد لرفض المحكمة: "الحكم بغير ما أنزل الله"!

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend

المحكمة الدولية باتت حقيقة رغم حملات التيئيس التي سمعناها كثيراً من أنها لن ترى النور. خسر المراهنون على عرقلة قيامها بكل الأساليب والمبررات، وانتقلوا مكرهين إلى مرحلة جديدة. بعد الأول من آذار بدأنا نسمع كلاماً جديداً؛ المحكمة مسيسة أو أنها ستسيس!. المحكمة لن تجرؤ على اتهام إسرائيل بقتل الحريري!. المحكمة تنتهك السيادة الوطنية ولا داعي لها بوجود قضاء وطني!. المحكمة مرفوضة لأنه يجب محاكمة إسرائيل على جرائمها!. المحكمة مرتبطة بالصهيونية العالمية وأنها أحد إفرازات الأمم المتحدة الخاضعة لأميركا!... وأخيراً بدأنا نسمع عنواناً جديداً، وهو أن المحكمة "تحكم بغير ما أنزل الله"، وتالياً فإنه على كل مسلم متديّن أن يرفض حكمها!!... العناوين كثيرة، لكن الهدف واحد، إنه الإفلات من العقاب. 

العدالة مبدأ إسلامي أصيل 

المؤسف في معرض الحديث عن هذا الموضوع أن "يجنّد" بعض "المشايخ" أنفسهم لتبرير الإفلات من العقاب، بـ"مبررات" شرعية، خلافاً لأصل من أصول الإسلام وهو تحقيق العدل، على اعتبار أن الفقهاء المسلمين قرروا منذ العصور الأولى للإسلام بأن "حكم غير المسلم العادل أفضل من حكم المسلم الظالم"، لأن "الحاكم الظالم المسلم، إسلامه لنفسه وظلمه على الرعية"، بمعنى أن عقيدته الدينية أمر خاص به، بينما ما يهم الناس هو إحقاق الحق، لذا قالوا "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة". كما أن القصاص مبدأ مقرر في القرآن الكريم: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُم تَتَّقُون"، فضلاً عن أن التقاضي في المحاكم الدولية يجري على "شريعة" التقاضي نفسها في المحاكم المحلية، التي يلجأ إليها المسلمون في لبنان لإحقاق الحق، فما الذي تغيّر؟! 

إذاً، النقاش ليس هنا، لأن من يطالبون بالمحكمة أو الذين يرفضونها، لا يفعلون ذلك على أساس ديانة القضاة، وشريعة التقاضي وإجراءاته، وإنما على أساس سياسي، ولكن اقتضى التنويه إلى تهافت العنوان الجديد لرفض المحكمة، باعتبار أنه من قبيل التعدي على الإسلام نفسه، أن تصبح الشريعة الإسلامية العظيمة مبرراً للإفلات من العقاب، طالما أنه من غير المقدور تحكيم هذه الشريعة في محاكمة المجرمين، لدى المسلمين المطالبين بها. 

... وحججهم متهافتة أيضاً 

أما في السياسة، ـ وهنا بيت القصيد ـ، فإنه من الواضح أن ثمة ماكينة تعمل على "استنباط" الحجج المختلفة، بالتوازي مع أفعال "أخرى"، لإعاقة عمل المحكمة، أو لرفض حكمها لاحقاً، لأن التسييس ـ إن حصل ـ فإنه سيكون بعد توجيه التهم المبنية على أدلة، وهو على كل حال يقبل أن يكون على حساب الضحية قبل أن يكون على حساب المتهم. أما القول إن القضاء المحلي أولى بالمحاكمة من القضاء الدولي فإنه يصح لو تكرّم علينا الرافضون للمحكمة الدولية وأوقفوا تشكيكهم المستمر بالقضاء اللبناني وتدخّلهم في شؤونه (بدليل حملتهم على التشكيلات القضائية الأخيرة). أما القول إن المجتمع الدولي لم يحاكم إسرائيل على جرائمها وبناءً عليه يجب رفض المحكمة، فإنه قول حق يراد به باطل، لأن مؤدى هذا الكلام تعطيل العدل وسيادة شريعة الغاب، على المستوى الدولي والمحلي، فقط لأن إسرائيل لم تحَاكم، وهو يخالف قاعدة: "ما لا يُدرك كله لا يترك جُلّه". 

أما القول إن المحاكم الدولية مرتبطة بالصهيونية العالمية، وإنها جزء في الحرب على الإسلام والمسلمين، كما حاول الشيخ ماهر حمود أن يصوّر قبل أيام من على شاشة "المنار"، فهو قول يفتقر إلى الدليل، لأن المحاكم الدولية لم تحاكم أي مسلم حتى الآن ـ عدا توجيه الاتهام مؤخراً للرئيس السوداني عمر البشير عن جرائم الإبادة والاغتصاب التي ارتكبها الجنجويد ضد أهل دارفور (المسلمين) ـ. المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة حاكمت سلوبودان ميلوسوفيتش، قاتل المسلمين في البوسنة، ومرتكب مجزرة سبرينيتشا الفظيعة ضدهم في العام 1995، ومحكمة رواندا حاكمت جون كامباندا، لدوره في قتل نحو مليون من قبائل التوتسي، ومحكمة سيراليون حاكمت تشارلز تايلور لارتكابه جرائم إبادة في راوندا، ومحكمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ستحاكم ـ إن شاء الله ـ قتلته، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لأن المطلوب إحقاق الحق لا محاكمة الناس تبعاً لاعتقادهم الديني!. 

يعرفون الحقيقة ويضللون الناس! 

لعل الواضح من "حركة المناهضين للمحكمة الدولية"، منذ كانت فكرة إلى أن أصبحت حقيقة، أنهم يعرفون بقرارة أنفسهم من هو المجرم الحقيقي، وأنه هو نفسه الذي يتهمه "المدافعون عن المحكمة الدولية"، لذا يجهدون في إبعاد كأس المحكمة عنهم، باعتبارها وسيلة لإحقاق الحق، تارة بالانسحاب من الحكومة، وتارة بإعاقتها في مجلس النواب، قبل قيامها. وهم الآن "يخترعون" مبررات جديدة في رفض آليات التعاون معها، ويشككون في قضاتها، ويطالبون بإطلاق الضباط الأربعة، بل وبمحاكمة القاضي ديتليف ميليس كشرط مسبق لقبولهم المحكمة!... ثم تراهم يفتحون منابرهم للشتّامين والمشككّين بالمحكمة، وقد كان آخرهم الشيخ ماهر حمود، الذي قدّم طرحاً جديداً لدى سؤاله عن رؤيته لتحقيق العدالة، طالما أن المحكمة الدولية مرفوضة لديه، فقال: "لا أعرف... المحكمة الدولية هي محكمة البلهاء... لا أحد سيكتشف الحقيقة إلا الله... والله موجود على كل حال"! 

أليس هذا ما يتمناه كل مجرم؟! أن ينجو بفعلته من العقاب؟! أو أن يتهم سواه بالجريمة، تماماً كما حاول المجرم الحقيقي أن يفعل عندما زّور شريطاً نسب فيه جريمة قتل الحريري إلى "الإسلاميين"، أولئك الذين يفخرون بالمشاركة في تجمّع 14 شباط كل عام لرفض الجريمة السياسية، ومن أجل المقتول ظلماً رفيق الحريري... الإسلاميين الذي يدّعي حمود أنه "ينصح لهم" بأسلوب "بالغ التهذيب"، يقول فيه لرئيس المكتب السياسي لـ "الجماعة الإسلامية" من على شاشة "المنار" التي تدعي حرصاً على التهدئة والوحدة الإسلامية: "إن قدمي أطهر مما تقول"!... ثم يحدثونك بعدها عن "فضائل أطهر الناس"، قل إن الله حرّم الظلم على نفسه، وحرّمه بين عباده، وأوجب العقاب للمجرمين... لو كانوا طاهرين.

فادي شامية

المستقبل
No votes yet